1 قراءة دقيقة
كبارُ السن.. آباؤنا معراجُ بِرٍّ وعظيمُ أَجْرٍ!

بقلم د. عمر بن حسين الجفري

ثمة وجوهٌ في دنيانا لا نرى فيها مجرد ملامح، بل نرى فيها خارطة الطريق إلى الجنة، وأيدٍ لا نرى في ارتجافها وهناً، بل نرى فيها مآذن مرفوعة بالرجاء تحرس خطانا في غيبنا وشهدنا. 

إنَّ هؤلاء الكبار هم "مقام الإجلال" الذي لا تمحوه عاديات الأيام، والمحراب المقدّس الذي يُختبر فيه صدق الوفاء ومروءة النفوس الأبية. إننا اليوم، وفي زحام هذه الحياة الراكضة خلف المادة، نرى مشهداً يبعث على الوجع؛ حين غابت حرارة القبلة على الجبين، واستُبدلت لمسة الحنان بـ "رسالةٍ باردة" أو "اتصالٍ عابر" لا يسمن ولا يغني من جوع الروح التي أضناها الانتظار خلف الأبواب. 

هل تحول الوالدان في خريف عمرهما إلى "ملفٍ إداري" نكتفي بإغلاقه بتوفير دواءٍ أو طعام؟ ولماذا انسلّت إلى ألسنتنا كلمات جافة تخدش حياء المقام، فنسمع من ينادي عكاز حياته بـ "الشايب" أو "العجوز" أو "العجيز " إن هذه المفردات ليست مجرد ألقاب عابرة، بل هي "معاول هدم" توحي بانتهاء الصلاحية وتهميش الوجود في دارٍ لولاهم ما ارتفعت جدرانها.

 إن الوالدين في مراحل شيبهم لا يحتاجون إلى ممرضٍ أو خادمٍ بقدر حاجتهم إلى "قلبِ ابنٍ" ينبض بين أيديهم، يمنحهم شعوراً بأنهم لا يزالون محور الكون، وأنّ شمسهم لم تغب بعد عن سماء العائلة.

 إنهم يعيشون "غربةً وجدانية" قاتلة وسط أبنائهم وأحفادهم إذا لم نقتطع لهم من "أعمارنا الغالية" ساعاتٍ نمضيها تحت أقدامهم إنصاتاً وحباً. 

فمن للأب إذا وهن العظم منه غير صدر ابنه يتكئ عليه كجبلٍ لا يميل؟ 

ومن للأم إذا ضاق صدرها وعجز لسانها غير أذن ابنتها تستمع لزفراتها قبل كلماتها؟

 إنّ البر يا أحبة هو "قربان العمر "؛ فلا قيمة لمالٍ تنفقه وأنت تشحّ عليهم بساعةِ قربٍ هادئة، ولا قيمة لبرٍّ تفوّضه لغيرك، فـ "البر لا يُفوَّض" والجنة لا يدخلها الوكلاء. بل يفتح أبوابها مَن بَذلَ رُوحَهُ قَبلَ مَالِهِ حُبّاً وطَاعَة. وحباً في هؤلاء العظماء، وحرصاً على ردّ الجميل، نضع هذا الميثاق ليكون عهداً نلتزم به:  

١- تطهير القاموس الأسري: شطب مفردات (الشايب، العجوز، الشيبان، العجيز ) فوراً، واستبدالها بـ (والدي، تاجي، والدي الغالي، نور الدار)؛ ليعتاد لسان الأحفاد على التوقير، فمن هانت رتبة والديه في لسانه، هانت هيبتهم في حياته

   ٢- خلوة "القرب الوجداني": تخصيص وقتٍ مقدس يومياً، يُنزع فيه الهاتف وتُغلق فيه شاشات الدنيا، للجلوس معهم بإنصات "المستكشف" الذي يسمع أساطير الأولين لأول مرة؛ استمتع بتكرار قصصهم، ففي كل تكرارٍ حياةٌ جديدة لذاكرتهم المرهقة.  

 ٣- المشاورة (جبر الخواطر): استشرهم في أدق شؤونك وأكبرها، ليس طلباً للرأي فحسب، بل لتُحيي فيهم شعور "البقاء في دائرة التأثير"؛ فقمة الانكسار أن يشعر الكبير بأنه صار "خارج الخدمة" في بيتٍ بناه بدمه وعرقه. 

   ٤- فراسة "البر الصامت": لا تنتظر منهم طلباً، فالكبار يمنعهم حياؤهم وعزّة أنفسهم من السؤال. تفقد خفاياهم؛ وتجديد لباسهم، وترتيب وسائدهم، وجلب فاكهةٍ يحبونها، أو تغيير عطرٍ يذّكرهم بشبابهم. قمة البر أن تسبق حاجتهم قبل أن تُولَد على ألسنتهم. 

   ٥- بر "أصدقاء الوالدين": هم نوافذهم على الماضي الجميل؛ ابحث عن رفاق عمرهم، صِلهم بمالك وجاهك، اذهب بوالدك إليهم أو ائتِ بهم إليه؛ فبهذا الفعل أنت لا تُحيي صديقاً، بل تُحيي في قلب والدك روحاً كادت أن تذبل.  

 ٦- بروتوكول "الجلال والجمال": البدء بهم في كل شيء، والصمت المهيب إذا تكلموا، وتقبيل أيديهم وجباههم أمام الملأ كفخرٍ لا يضاهيه فخر؛ فتقبيل يد الوالد هو "وسامُ شرف" يُوضع على صدر الابن قبل أن يكون براً بالأب.

 ٧- الاستثمار في "الثناء المسموع": ارفع صوتك بالدعاء لهم وهم يسمعون، واذكر محاسنهم وتضحياتهم أمام الغرباء والأبناء؛ فالثناء الجميل في كبرهم هو "إكسيرٌ" يعيد لهم الحيوية ويشعرهم بأن غراسهم لم يذهب سُدى. 

٨- الصحبة في "الخروج والدخول": لا تجعل خروجهم من الدار مقتصراً على المشافي، بل اجعل لهم نصيباً من النزهة والاستجمام، واحرص أن تكون أنت "العكاز الإنساني" الذي يتكئون عليه، ليشعروا بالأمان السيكولوجي في زحام العالم.  

فَلْنَتَخيل ذلك اليوم المهيب، حين تدخلون الدار فتجدون الكرسي خالياً، والسبحة مركونة في زاوية صامتة، والرداء معلقاً بلا جسد.. حينها فقط ستدركون أنَّ "النور" قد رحل، وأنَّ باباً من أبواب الجنة قد أُغلق للأبد. 

كبار السن هم "الأثر الباقي" من الجنة على الأرض، وهما "العكاز النفسي" الذي يحمينا من السقوط في وحل الجفاء.   ،

لا تجعلوا انشغالاتكم التافهة تحرمكم من "لمحة رضا" في عين والديكم، أو "دعوةٍ مستجابة" من ثغر أمهاتكم. كونوا لهم الأرض التي يطؤون، والسماء التي يستظلون، 

واعلم يارعاك الله أنَّ ما تفعله اليوم هو "صكُّ برٍّ" ستستلمه من أبنائك غداً؛ فالدنيا سلفٌ ودين، ومن أكرم مآذن داره في خريفها، سخر الله له من يحمل قلبه قبل عكازه في هرمه.  

وتذكروا دوماً أنَّ برَّهم ليس فضلاً تمنّون به عليهم، بل هو طوقُ نجاةٍ تمدّونه لأنفسكم قبل أن تبتلعكم أنانيةُ الأيام. تمسكوا بمقامهم، فما زال في الوقتِ متسع لقبلةٍ.. وبسمةٍ.. وكلمةِ "يا تاج رأسي". 

والله من وراء القصد ،،،

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.