بقلم: د. عمر بن حسين الجفري
تأتي الاختبارات المركزية كأداة هامة في فكر المنظومات التعليمية الحديثة، بهدف تجويد المخرجات وتوحيد معايير القياس. ورغم ما تثيره من قلق، إلا أنها تمثل مرآة حقيقية تكشف المستوى العام للطلاب في جوانب تعليمية متنوعة؛ فهي تمنحنا بيانات دقيقة تتجاوز حدود الفصل الواحد، لتضع أيدينا على الفجوات التعليمية وتمنع تضخم الدرجات الذي لا يعكس أحياناً المهارة الحقيقية للطالب. إلا أنَّ هذه المرآة تعكس أيضاً تفاوتاً حاداً في الظروف المحيطة بالعملية التعليمية؛ فالعدالة في القياس تتطلب مراعاة تباين الإمكانات بين المدارس، ليس فقط جغرافياً، بل حتى داخل المدينة الواحدة؛ حيث تختلف أحوال المدارس في الأحياء الشعبية البسيطة عن غيرها من حيث البيئة المنزلية والدعم الاجتماعي. أضف إلى ذلك متغيراً حاسماً وهو التفاوت في أداء المعلمين؛ فأساليب التدريس تختلف، ومستويات العطاء والتمكن المهني ليست واحدة، وهذا يجعل نتائج الاختبارات المركزية كاشفاً حقيقياً ليس لمستوى الطالب فحسب، بل لجودة الرسالة التربوية التي يقدمها المعلم داخل فصله. ولضمان أن تؤدي هذه الاختبارات دورها التطويري المنشود، ينبغي مراعاة الآتي: أولاً: استثمار البيانات لتجسير الفجوات؛ فبما أنَّ الاختبارات المركزية تكشف تباين مستويات المعلمين والمدارس، يجب أن تُستخدم النتائج لتوجيه التدريب النوعي للمعلمين الذين أظهرت نتائج طلابهم ضعفاً في مهارات محددة، ودعم مدارس الأحياء الأقل حظاً ببرامج إثرائية تعوض النقص البيئي. ثانياً: التحول من الكم إلى الكيف؛ فلا بد أن تشمل هذه الاختبارات أسئلة تقيس التحليل والابتكار، لنتأكد أنَّ الطالب اكتسب مهارة تدوم، وليس مجرد معلومة تنتهي بانتهاء الاختبار. إننا نريد قياس أثر المعلم المبدع الذي يغرس الفهم، لا المعلم الذي يكتفي بإنهاء المنهج. ثالثاً: الاختبار وسيلة بناء لا أداة عقاب؛ يجب أن تُستخدم النتائج كبوصلة لتطوير الأداء العام، لا كأداة لتصنيف المدارس والمعلمين في قوائم نجاح وفشل تزيد من حدة التوتر النفسي وتدفع الجميع نحو التلقين هرباً من الأرقام المنخفضة. رابعاً: تفعيل دور الأسرة كشريك في المعالجة؛ فلا ينبغي أن تبقى نتائج هذه الاختبارات حبيسة الأسوار المدرسية، بل يجب إطلاع أولياء الأمور على مستوى أبنائهم في هذه الاختبارات الوطنية والمركزية بكل شفافية، ليتكامل دور البيت مع المدرسة في معالجة نقاط الضعف المرصودة، فالتعليم رحلة تشاركية والنتائج هي مسؤولية الجميع. خامساً: التحفيز والمكافأة للمدارس والمعلمين المتميزين؛ فكما أن الاختبارات تكشف الضعف، فهي تبرز أيضاً "قصص النجاح" والجهود الاستثنائية التي تبذلها المدارس والمعلمون المبدعون. إنَّ تكريم أصحاب النتائج المتميزة وتحفيزهم مادياً ومعنوياً سيخلق روحاً تنافسية شريفة، ويجعل من الاختبار المركزي دافعاً للعطاء لا هاجساً للقلق. ختاماً.. إنَّ الاختبارات المركزية ضرورة لضبط جودة التعليم، وقوتها الحقيقية تكمن في تحويل تلك الأرقام الكاشفة إلى عمل تربوي ينحاز للطالب أينما كان، ويضمن له حق الحصول على تعليم متميز بجهد معلم كفء، يتجاوز حدود الحي الاجتماعي أو الإمكانات المادية للمدرسة.
هذا والله من وراء القصد ،،