
قلم د. عمر بن حسين الجفري
حين أجلسُ مع نفسي وأتأملُ وجوه أبنائنا اليوم، أشعرُ بغصةٍ لا يعرفها إلا من كابد عناء التربية في هذا الزمن الصعب. يراودني سؤالٌ يطحنُ الفكر طحناً: هل تلك الأدوات البسيطة التي ربانا بها آباؤنا – بكلمةٍ من وقار أو نظرةٍ من هيبة – لا تزالُ تملكُ مفعول السحر في صدور جيلٍ ولد وفي يده "نافذة" تطلُّ على العالم بأسره؟
لماذا نبدو اليوم كغرباء في بيوتنا؟ ولماذا نشعرُ أنَّ صوتنا يضيعُ في زحام الأصوات التي تنهشُ عقول أبنائنا من كل جانب؟ هل العيبُ في "قديمنا" الذي نعتزُّ به، أم في "جديدهم" الذي لم نحسن قراءته؟
الحقيقة التي يجب أن نواجهها بشجاعة هي أنَّ "حصن البيت" لم يعد منيعاً كما كان. بالأمس، كان الأبُ هو المعلم الأول، والشارعُ هو المربي الرديف، والمدرسةُ هي الحصن المكين. أما اليوم، فقد فُتحت الأبواب على مصراعيها، واقتحم مخادعنا "شركاءُ كثر" لا نعرفُ وجوههم ولا نملكُ ردَّ كيدهم. لقد أصبح مشاهير "التواصل الاجتماعي" هم من يصيغون أحلام أبنائنا، والشارعُ الرقمي هو من يلقنهم مفاهيم "الحرية" و"التمرد"، لنجد أنفسنا في معركةٍ غير متكافئة؛ مربّ واحد في مواجهة آلاف المنصات والمغريات.
لكنَّ الوجع الحقيقي، والذي يجب أن لا نهرب منه، هو أننا نحن من "شرّع" هذه الأبواب بصمتنا. نحن الآباء والأمهات، تهاونا كثيراً حين رأينا بوادر تغير الأخلاق والقيم تظهرُ على أبنائنا، فآثرنا "السلامة المؤقتة" على المواجهة التربوية.
سكتنا عن نظرةٍ غير لائقة، وتغاضينا عن كلمةٍ نابية، ومررنا سلوكياتٍ "غريبة" بحجة أنها "طيش شباب". صَمْتنا ونُصْحنا لم يكن كافياً، وتوجيهنا كان خجولاً، حتى نَمَت تلك السلوكيات الدخيلة وأصبحت غاباتٍ كثيفة يصعبُ اجتيازها.
واليوم، حين نحاولُ أن نعيدهم لجادة الصواب، نُصدمُ بأنَّ قيمنا الأصلية أصبحت في نظرهم "عملةً منتهية الصلاحية" ومفاهيم مستنكرة؛ ببساطة لأنهم لم يتشربوها في صغرهم، ولم يجدوا منا الحزم الحاني الذي يحمي فطرتهم من التشويه.
ثمة حقيقة ذهبية تربينا عليها تقول: "قل لي من تصاحب؛ أقول لك من أنت"، لكنَّ هذه القاعدة في زمننا هذا اتخذت شكلاً مرعباً؛ فإذا أردتَ أن تعرف حقيقة سلوك ابنك، فانظر مع من يجلس ومن يصاحب.. والمفارقة هنا أنَّ الصاحب لم يعد بالضرورة ذلك الشخص الملازم لابنك جسدياً، بل قد يكون صاحباً "وهمياً" أو "افتراضياً" مجهولاً يسكن في عالم آخر خلف القارات، لكنه يشارك ابنك تفاصيل يومه، ويبث في عقله سموم فكره، ويوجه سلوكه وهو قابعٌ خلف شاشة صامتة.
لقد أصبح "الرفيق الافتراضي" أشد خطراً وأعمق أثراً من رفيق الدرب، لأنه يدخل عقل ابنك بلا رقيب ويُشكل وجدانه وهو في عقر دارك.وأمام هذا التيه، لا يصحُّ أن نرتمي في أحضان "التربية الغربية" التي ينادي بها البعض وكأنها طوق النجاة، بل علينا أن نستعيد زمام المبادرة عبر خطوات عملية وتوصيات جوهرية تعيد للبيت هيبته:
١- كسر حاجز الصمت التربوي: لا تمرروا الأخطاء الصغيرة بدعوى "الحرية"؛ فالتوجيه يجب أن يكون فورياً وحازماً بلين، قبل أن يتحول الخطأ إلى طبعٍ أصيل.
٢- الانتقال من "الإملاء" إلى "الإقناع": جيل اليوم يحركه "لماذا" وليس "افعل". خصصوا أوقاتاً للحوار الذي يزرع القناعة بالمبدأ قبل تطبيقه.
٣- تتبع "الأصحاب الرقميين": لا تكتفِ بمعرفة أصدقاء المدرسة، بل ابحث عمن يتابعهم ابنك في الفضاء الافتراضي، ومن يحادثهم في ردهات الألعاب الإلكترونية؛ فالرفيق المجهول هو المربي الخفي.
٤- صناعة "البوصلة الداخلية": بما أننا نعيش في "فنادق مفتوحة" يصعب رقابتها، يجب غرس "الوازع الديني"؛ ليكون ضمير الابن هو حارسه حين يغيب الوالدان.
٥- إحياء "القدوة الحية": لن يقبل الأبناء قِيماً لا يرونها في سلوك آبائهم؛ فالانضباط والصدق يجب أن يراها الابن في أفعالكم قبل نصائحكم.
٦- رفض التبعية التربوية المطلقة: تمسكوا بهويتنا؛ فما يصلح في الغرب من "فردية" لا يبني بيتاً متماسكاً عندنا، والحل في "التطوير" لا في "الانسلاخ".
وأختم بنداء قبل فوات الأوانإنَّ الأزمة الحقيقية التي نعيشها اليوم ليست في صلاحية المنهج القديم بحد ذاته، بل في "برود" عواطفنا التربوية، وتراخي قبضتنا عن المتابعة تحت مسوغاتٍ واهية.
إنَّ تلك القيم التي يستنكرها أبناؤنا اليوم ما هي إلا صرخةُ لومٍ صامتة لنا، تعاتبنا لأننا لم نغرسها فيهم حين كانت القلوبُ خضراء غضة، وتركناهم لمهب الريح تشكلهم كيفما تشاء.
إننا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن نستسلم لتيار العولمة الجارف الذي يهدف إلى مسخ هوية الأجيال، وإما أن نستعيد دورنا كحراسٍ للفضيلة ومرشدين للحق.
ياسادة.. إنَّ التربية في زمننا هذا لم تعد ترفاً، بل هي معركة بقاء. إنَّ الابن الذي يدخل ويخرج دون أن يجد من يغمره بالحب ويقومه بالحكمة، سيبحث عن البديل في عوالم افتراضية مظلمة. استعيدوا أبناءكم بالحضن القريب، والكلمة الصادقة، والهيبة التي تشرق بالحب لا بالخوف. تذكروا أنَّ البناء يستغرقُ سنوات، لكنَّ الهدم قد يحدث في لحظة غفلة خلف شاشة هاتف.
كفانا انتظاراً لمعجزاتٍ تربوية تهبط من السماء، أو حلولٍ معلبة تُستورد من البعيد؛ فالحصن الأخير الذي نملكه هو "الأسرة"، والبوصلة الوحيدة هي "قيمنا" التي صمدت لآلاف السنين.تداركوا ما تبقى من "خيوط الوصل" مع أبنائكم، واعلموا أنَّ الندم غداً لن يعيد قلباً اغترب، ولا خلقاً فُقد.
إنَّ المسؤولية ثقيلة، لكنَّ النجاة ممكنة لمن صدق في التوجيه وأخلص في النصيحة وبذل من وقته وروحه ما يحمي فلذات كبده من الضياع . الوقتُ لم يفت تماماً، ولكنَّ النوافذ تضيق يوماً بعد يوم، وعواصف العصر لا تنتظر المترددين الذين يكتفون بالمراقبة من بعيد. كونوا لهم السند والملاذ، قبل أن تصبحوا في حياتهم مجرد ذكريات عابرة في "فندقٍ" كان يُسمى يوماً.. بيتاً.
هذا والله من وراء القصد ،،،