
إنّ العودة للميدان التربوي لهو شرفٌ وأيّ شرف، ومهمةٌ تسمو بها النفوس لتربية وتعليم أبناء الوطن في أي موقعٍ كان، وبالأخص في ثغور التعليم العام؛ فهي الرسالة التي اصطفاها الله لخير خلقه، والأمانة التي تنوء بحملها الجبال، والمحراب المقدّس الذي تُصاغ فيه عقول الأجيال وتُبنى فيه حضارات الأمم. وقد اتجهت اليوم وزارة التعليم، في خطوةٍ تطويريةٍ رائدة، إلى إحداث نقلة نوعية في بنية الإشراف التربوي، عبر وضع هياكل وأدلة تخصصية تسعى لمواكبة التطورات المعاصرة وتستشرف آفاق المستقبل.ومن خلال هذا المقال فإنّنا نضع جملةً من التساؤلات الجوهريّة التي تؤرق الميدان وتستدعي الوقوف عندها بكل شفافيةٍ ومنهجيّة، ونحن نرى مشهداً يكتنفه الغموض حيال مصير "بيوت الخبرة" والكوادر النوعيّة في ظل هذه التحولات: فما هو حال تلك الكفاءات الإشرافية التي صُقلت عبر السنين وذاقت مرارة التجربة وحلاوة الإنجاز؟ ولماذا نرى هذا التخلي المتسارع عن ذوي الخبرات العريضة والكفاءات المبدعة بإنهاء تكليفاتهم دون سابق إنذار أو دراسة مستفيضة للأثر؟ وأين تذهب تلك الأموال الطائلة والميزانيات الضخمة التي أُنفقت في تدريبهم وابتعاثهم وتأهيلهم وفق أعلى المعايير العالمية؟ وهل منظومتنا التعليمية اليوم في غنىً عن عصارة فكرهم ونتاج إبداعاتهم البحثيّة والميدانيّة؟ وكيف يكون حال معلمي المواد الدراسية في الميدان التربوي بعد حرمانهم من التغذية الراجعة والمساندة الفنية التي يقدمها المشرف المختص؟ ..ولعلّنا نبحر في تفاصيل هذا المشهد لنكشف عن حجم "الفقد التعليمي" و"النزيف المعرفي" الذي قد يحلّ بساحتنا التربوية نتيجة قراراتٍ قد لا تخدم المصلحة العليا في أمدها البعيد، بل قد تتكسر أحلام كفاءاتنا على صخرة الأنظمة الجامدة التي تغفل قيمة الرأس المال البشري المؤهل .. إنّ المتأمل في واقع التشكيلات الإشرافية اليوم يرى عجباً، ويدرك أنّ هناك أزمة حقيقية تستوجب النظر والتمحيص؛ فكيف لوزارةٍ موقرة أن تتخلى بكل بساطة عن كوادر هي بمثابة "الأصول المعرفية" للمنظمة، أمضت زهرة شبابها في التطوير، منهم من كابد وثابر لأكثر من عشرين سنة في العمل الإشرافي والقيادي، ليجدوا أنفسهم اليوم أمام قراراتٍ تنهي مسيرتهم الإشرافية بجرة قلم، وتدفع بهم إلى العودة للميدان في وظائف قد لا تستوعب حجم ما لديهم من "كفايات" تخصصية، دون مراعاة لما يمتلكونه من مخزون تراكمي معرفي ودراسات وأبحاث وأوراق عمل لا تُقدّر بثمن، حتى أنَّ القلوب لَتعتصر ألماً حين نرى قاماتٍ تربوية اضطرّت لطلب "التقاعد المبكر" وآثرت الترجل عن الصهوة وهم في قمة العطاء والإنتاج، لشعورهم بتهميش خبراتهم أو حصر أدوارهم في قوالب ضيقة لا تليق بما قدموه عبر العقود.ألا يعدّ ذلك هدراً اقتصادياً وعلمياً ووطنيّاً وفاقداً للقدرات البشرية المؤهلة؟ فكيف يتم الاستغناء عن هؤلاء الذين تم تمكينهم عبر برامج الابتعاث وحصلوا على أرفع الدرجات العلمية؟ إنّ هذا الفاقد التعليمي يمثل "انتكاسة تخصصية" للمنظومة، ويخلق نوعاً من الإحباط والأسى لدى تلك الصفوة التعليمية. إنّ ما يغيب عن أذهان صُنّاع القرار هو مفهوم "الأمن المعرفي المؤسسي"؛ فالمشرف التربوي ليس مجرد موظف إداري بل هو "مستودع خبرة"، والاستغناء عنه يتنافى مع مبادئ "المنظمة المتعلمة"، ويُعطل نظام النقل المعرفي؛ فالمعلم الجديد سيبقى يتيماً مهنياً دون وجود خبير يختصر عليه المسافات.إنّ الوجهة الجديدة التي نتطلع إليها في هيكلة الإشراف التربوي ليست مجرد تغيير في المسميات أو تقليص في الأعداد، بل هي تحولٌ جذري نحو (الإشراف التربوي المستند إلى التمكين)؛ حيث يتحول المشرف من دور "المقيّم الخارجي" إلى دور (الشريك الاستراتيجي) داخل المدرسة. إنّ المصلحة التعليمية تقتضي أن يكون المشرف هو (الميسّر الفني) الذي يذلل العقبات أمام المعلم، ويدعم استقلالية المدرسة بصفتها وحدة التطوير الأولى، مستخدماً منهجيات (الكوتشينج القيادي) لبناء مجتمعات تعلم مهنية حية، وتحويل التحديات الميدانية إلى فرص للنمو والابتكار.وانطلاقاً من هذا المبدأ والإنصاف، يحدونا الأمل في إعادة النظر في واقع هذه الكفاءات، ونقترح التوصيات التالية لعلها تضع النقاط على الحروف:1ـ العمل على زيادة عدد المقاعد الإشرافية ضمن المعيارية العددية للوثيقة الجديدة، لاستيعاب هذه الكفاءات لتعزيز دورهم كخبراء ميسرين ومساندين للميدان.2ـ توسيع نطاق المجال الإشرافي الخدمي ليشمل جوانب الجودة، والتحول الرقمي، والتقنيات التعليمية، والاستفادة من خبراتهم في هندسة بيئة صفية محفزة.3ـ تشكيل لجان استشارية تخصصية من حملة الماجستير والدكتوراه من المشرفين، للعمل في مراكز البحوث، وتطوير المناهج، لضمان استدامة الخبرة وتوطين المعرفة.4ـ وضع معايير دقيقة وعادلة لإنهاء التكليف تضمن بقاء الأكفأ، مع منح مزايا معنوية وتكريم يليق بمسيرة "خبراء التربية".5ـ تمكين المشرفين ذوي المؤهلات العليا من الترشح للمناصب القيادية، وتفعيل دورهم كـ "خبراء تطوير" في قيادة التحولات المستقبلية استجابة للرؤية الوطنية 2030.6- دعم مديري المدارس وتمكينهم من خلال مشرفي المواد لتحسين مستوى أداء المعلمين، بما يضمن رفع جودة التعليم وتحقيق التميز المؤسسي.7ـ إقرار "رخصة التخصص الإشرافي": لربط الاستمرار في العمل الإشرافي بالنمو المهني المستمر ومواكبة المستجدات العالمية.8ـ التحول نحو "الإشراف التربوي المدمج": بتفعيل التقنيات الحديثة لتقديم دعم فني فوري ومستمر وتقليل الهدر الزمني والمادي.9ـ منح "صلاحيات تقديرية" للمشرف الخبير: تتيح له اقتراح مسارات تدريبية مرنة والمشاركة الفعلية في قياس الأثر داخل الصف.10ـ إنشاء "منصة خبراء التعليم": قاعدة بيانات وطنية تكون مرجعاً للميدان في الاستشارات الاستراتيجية وحل المشكلات المعقدة.11ـ تعزيز "الأمان الوظيفي والمهني" للمشرف: بوضع حوافز ترتبط بنواتج التعلم والتميز المؤسسي لرفع الدافعية للاستمرار.إنّ إعادة صياغة واقع الإشراف التربوي يجب أن تنطلق من رؤية "استراتيجية" تعتمد على "التوظيف الأمثل للكفايات" وتعزيز دور المشرف كقائدٍ للتغيير وميسّرٍ للنجاح. فليعلم أصحاب القرار في التعليم أن هذه الفئة هي "الثروة الحقيقية" القادرة على العطاء، ولابد من منحهم الثقة ليكونوا سواعد يفخر بها الوطن ويعلو بهم مجد بلادنا ..والله من وراء القصد ،،