1 قراءة دقيقة
بين نتائج المدارس ونتائج القدرات والتحصيلي.. أين تكمن الحقيقة؟

بقلم د. عمر بن حسين الجفري ..

بينما تنهمرُ عبارات التهاني، وتزدانُ منصات التواصل بصور الشهادات التي تزهو بالمعدلات الباهرة، ويغمرُ الفرحُ بيوتنا بحصول الأبناء على أعلى الدرجات في كافة المواد الدراسية؛ يبرزُ سؤالٌ صامت ومقلق يطلُّ برأسه خلف هذا المشهد الاحتفالي: 

هل هذه الأرقام تعكسُ حقيقة ما في العقول؟ ولماذا يتبخرُ هذا التفوق "الورقي" وتذوبُ تلك الدرجات العالية كقطع الجليد تحت هجير اختبارات القدرات والتحصيلي؟ 

هل نحن أمام جيلٍ مبدعٍ حقاً، أم أننا أمام "فقاعة" من الدرجات الوهمية التي صنعها نظام تعليمي أدمن التلقين؟

 ولماذا يسقطُ "أوائلُ الفصول" في أول اختبارٍ حقيقي يقيسُ المهارات الذهنية بعيداً عن نصوص الكتب؟. 

إننا اليوم أمام ظاهرةٍ مقلقة تتمثل في "انفصامٍ تحصيلي"؛ حيث ترتفعُ هامات المعدلات المدرسية لتعانق الـ (100%) أو قربية منها، في حين تصدمنا نتائج "مركز قياس" بواقعٍ مغاير يعكسُ فجوةً عميقة تتجاوز في بعض الأحيان الـ (40) درجة!

 إن المتأمل لهذا المشهد يدرك أننا أمام معضلةٍ مركبة، ولعلنا نتساءل بمرارة: هل تحولت تلك الأرقام العالية إلى "جرعات تخدير" توهم الطالب وأهله بالتفوق؟

 وما هي القيمة الحقيقية لشهادةٍ تزدحمُ بـ المعدلات العليا لكنها لا تعبر عن مهاراتٍ فعلية أو ذكاءٍ حقيقي؟.

 يا سادة.. انظروا بإنصافٍ إلى اختبارات مدارسنا! إننا إذا ما فتشنا في ثنايا تلك الاختبارات، لوجدناها تكراراً معروفاً مسبقاً، بل وأخذت حيزاً من تدريب الطلاب عليها بذات الصيغة وذات الأسلوب وربما كانت نصاً حتى صارت تُحفظ عن ظهر قلب.

 إن الكارثة تكمن في غياب "الموقف التعليمي الجديد"؛ فلا يوجد في اختباراتنا ما يختبر حقيقة مستوى الفهم، أو يقيس مهارة القدرة على التعامل مع أي تغيير أو مفارقة علمية. 

وحتى في المواد العلمية الدقيقة كـ (الرياضيات والفيزياء والكيمياء)، التي يُفترض أنها تقوم على المنطق والاستنباط، نجدها تُقدم للطلاب كـ "قوالب جامدة"؛ فبمجرد أن يتغير سياق المسألة أو تتحور فكرة السؤال قليلاً، يقف الطالب عاجزاً تائهاً، لأنه لم يُدرب على "التفكير العلمي" بل دُرّب على "تعبئة الفراغات" بما حفظه مسبقاً.

 إن التوسع في نقد هذا الواقع يكشف لنا خللاً بنيوياً في فلسفة تقديم المعلومة؛ إذ لا يمكن أن تكون المادة الدراسية ذات أهمية للطالب ما لم تُربط بواقع حياته اليومية. فالمعرفة التي تبقى حبيسة الجدران الأربعة للفصل الدراسي، ولا تجد لها صدىً في تفاعلات الطالب مع محيطه، هي معرفة ميتة لا تحرك في العقل ساكناً.

 نحن نحتاج إلى معلم لا يكتفي "بحل التمارين" على السبورة، بل يفتح آفاق الطالب ليرى الرياضيات في هندسة البناء، والفيزياء في حركة الأجسام من حوله، والكيمياء في تفاعلات الطبيعة والغذاء. 

إن الطالب حين يفتقد "القناعة بالجدوى الحياتية" لما يدرسه، يتحول عقله إلى مستودع مؤقت للمعلومات "المُعلبة"، سرعان ما يُفرغه ليواجه اختبارات "قياس" بعقلٍ خاوٍ من القدرة على الربط أو الاستنتاج المنطقي، لأنه ببساطة لم يتشرب المعلومة كـ "أداة حياة" بل كـ "مادة اختبار". 

ويبرزُ هنا سببٌ جوهري، وهو القصور الحاد في إعداد المعلم لدروسه بشكلٍ يرتقي بمستوى فكر الطلاب؛ فحين يفتقر المعلم للإعداد الذهني الذي يحفز الإبداع، تتحول الحصة الدراسية إلى مجرد "سردٍ آلي" لمعلومات معلبة.

 إن غياب التحضير الذي يستهدف "إثارة التساؤل" جعل الدرس باهتاً لا يبني ملكة.

 ويشارك في هذه المسؤولية "ولي الأمر" الذي قد يكتفي بالنظر إلى الدرجة النهائية في الشهادة دون السؤال عن "نوعية التعليم" الذي تلقاه ابنه، بل ويضغط أحياناً على المدارس لمنح درجاتٍ لا تعكس المستوى الفعلي، ليقع الجميع في فخ "النجاح الوهمي" الذي لا يصمد أمام صرامة اختبارات القدرات والتحصيل.

 ولذا، فإننا نخلص إلى ضرورة تبني حزمة من الحلول والتوصيات لردم هذه الهوة السحيقة: 

 ١-الارتقاء بدور المعلم في شحذ الفكر: بحيث لا يكتفي بنقل المعلومة، بل يسعى لشحذ تفكير الطلاب على توظيف تلك المعلومات في مواقف مختلفة وجديدة، وربطها بسياقات حياتهم الواقعية؛ مع ضرورة بيان وإقناع الطلاب بأهمية هذه المعلومات في تفاصيل حياتنا اليومية، لينتقل التعليم من "واجب ثقيل" إلى "قيمة ملموسة". 

 ٢-كسر "نمطية الاختبارات": بوضع أسئلة تقيس المهارات العليا، وتصميم مواقف اختبارية جديدة تجبر الطالب على استخدام "عقله" لا "ذاكرته". 

 ٣-ثورة في "إعداد المعلم": بحيث يُلزم المعلم بتحضير دروسه وفق استراتيجيات "التفكير الناقد"، بعيداً عن مجرد نقل المعلومة من الكتاب.

  ٤-توعية "ولي الأمر": بضرورة متابعة مستوى "مهارات" ابنه وقدراته الذهنية، لا الركض خلف الأرقام والمعدلات الزائفة التي لا تسمن ولا تغني من جوع في موازين "قياس". 

 ٥-تضمين مهارات "قياس" في المنهج: بحيث لا يكون التدريب على القدرات والتحصيلي "دورة خارجية"، بل جزءاً لا يتجزأ من الحصة الدراسية اليومية طوال العام.

  ٦-إعادة هيكلة "التقييم المدرسي": بحيث تعتمد الدرجات على "الأداء المهاري" والبحث والاستقصاء، لا على استرجاع المعلومات المكررة. 

 ٧-تفعيل الاختبارات المعيارية المفاجئة: لتقييم المستوى الحقيقي للطلاب ومقارنته بنتائج المعلمين، لكشف أي تضخم أو تزييف في الدرجات. 

٨-استخدام تقنيات "الواقع المعزز" و"المحاكاة": لربط النظريات العلمية بالتطبيقات الميدانية، مما يرسخ الفهم العميق ويقضي على التلقين.

  ٩-تحفيز المدارس المتميزة مهارياً: بناءً على نتائج طلابها في الاختبارات الوطنية (قياس)، وليس بناءً على معدلات النجاح الداخلية. 

 ١٠-تعزيز ثقافة "الخطأ التعليمي": بتشجيع الطلاب على المحاولة والخطأ بدلاً من البحث عن الإجابة النموذجية الجاهزة، لتنمية روح الابتكار.

 وأختم بكلمةٍ لكل مربٍّ، ومعلم، وولي أمر: إننا لا نخدم أبناءنا حين نبارك لهم معدلات متضخمة حصدوها بـ "التكرار الأعمى" وتحت مظلة إعدادٍ مدرسي هزيل، بل إننا نخدعهم وندفع بهم نحو جدارٍ مسدود، ونغتالُ فيهم طاقة البحث وشغف الاكتشاف.

 إن تلك الدرجة الزائفة هي "سرابٌ" يضللهم عن حقيقة مستواهم، ويخفي عنهم مواطن عجزهم، حتى إذا جاءه (في قياس) تلاشت الأحلام وظهرت الحقيقة المرة التي لا ترحم المتكاسلين.

 استيقظوا قبل أن تتبخر طموحات أبنائكم عند عتبات الجامعات وتتحطم آمالهم في سوق عملٍ لا يعترفُ إلا بالأقوياء مهارياً؛ فعلموا أبناءكم أنَّ التفوق ليس "رقماً" يُباع ويُشترى في بورصة المجاملات التربوية، بل هو "ملكة ذهنية" تُبنى بالبحث، والصبر، والتحليل العميق. 

إن المسؤولية التاريخية تحتم علينا أن نتوقف عن صناعة "التفوق الوهمي"؛ فالأمم لا تُبنى بصفوفٍ من الحافظين الذين لا يدركون جوهر ما يقرؤون، بل تُبنى بعقولٍ جبلت على النقد، والتحري، والقدرة على مواجهة المجهول بمرونة وفطنة.

 إنَّ تزييف النتائج هو تزييفٌ للمستقبل، ومجاملة الطالب في درجاته هي خيانةٌ لأمانة التربية وجناية كبرى بحقه وحق الوطن.

 إنَّ الابن الذي يزهو اليوم بـ "مئةٍ بالمئة" وهو لا يملكُ أدوات التفكير، سيجد نفسه غداً غريباً في عالم المعرفة، ومنكسراً أمام أبسط اختبارات الحياة العملية.

 إننا نعدهم لمستقبلٍ يتطلب "عقلاً ذكيًا" لا "ذاكرة ممتلئة"، فكونوا عوناً لهم بمواجهتهم بواقعهم، وشدوا من أزرهم بالتعليم الحقيقي الذي يبني الشخصية ويصقل الموهبة.

 كفانا "تضخماً" في الورق و"هزالاً" في العقول؛ فجيل الرؤية الذي نعلق عليه الآمال يتطلب عقولاً تستنطق الحقيقة وتصنع الحلول، لا ذاكراتٍ ميتة تجترُّ المعلومة المكررة.

 تداركوا أبناءكم؛ فالحقيقة التي تجبرهم على التفكير والكفاح والمرارة اليوم، خيرٌ ألف مرة من الدرجة الخادعة التي تذبح أحلامهم غداً وتتركهم في مهب الريح بلا سلاح ولا وجهة.

 هذا والله من وراء القصد ،،،

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.