بقلم: د. عمر بن حسين الجفري
من المفترض أن تكون قاعات الأفراح واحاتٍ للمودة، ومنابرَ للبهجة، ومحطاتٍ لتوطيد أواصر القربى واللقاء الإنساني.
إلا أنَّ الواقع الذي نعيشه اليوم في معظم هذه الصالات بات يخرج عن إطار الفرح، ليدخل في دائرة مُصادرةِ الرَّاحةِ الممنهجة؛ حيث تدوِّي مكبِّرات الصوت الموزَّعة في كل زاوية بحِدّةٍ تفوق الاحتمال، وتجعل من التواصل بين الضيوف أمراً مستحيلاً، بل ومؤلماً للآذان والأعصاب.
إنَّ هذا الضجيج المدوِّي، الذي يتجاوز أحياناً عتبة الـ 100 ديسيبل، لم يعد مظهراً احتفالياً، بل تحول إلى عائقٍ يحرم الحضور من جوهر المناسبة وهو الأنس بالحديث.
وتشير الدراسات الصحية إلى أنَّ هذا المستوى من الصَّخب يرفع توتُّر الجهاز العصبي بنسبة 35%، مما يحوِّل لحظات الابتهاج إلى نوبات من الإرهاق والنفور الجماعي.
ويمكننا تشريح هذه الظاهرة في ملامح تثير الأسى، مع عرضِ ما نراه كفيلاً باستعادة رقيّ المناسبة:
أولاً: اعتزالُ الحاضرين قسراً؛ فلم يعد الأمر مقتصرًا على كبار السن الذين يُدفعون للاعتزال في الممرات بحثًا عن وقارِ شيبهم، بل امتدّ الأذى ليشمل الشباب الذين يضيقون ذرعاً بصداعٍ يلاحق رؤوسهم، والأطفال الذين تُرعبهم اهتزازاتُ السمّاعات الضخمة. الكل بات يبحث عن مخرجٍ من هذا الحصار الصوتي. فكان لزاماً تهيئة مكان مناسب داخل القاعات، تكون معزولةً صوتياً أو بعيدةً عن صخب المكبِّرات، لتكون واحةً للحوار والسكينة لمن أراد التواصل بوقار دون الاضطرار للاعتزال خارج القاعة.
ثانياً: قتلُ لغةِ الحوار؛ إنَّ الهدف الأول من المناسبات هو الاجتماع والتعارف، لكنَّ توزيع السمّاعات العشوائي فرض عزلةً إجبارية؛ إذ يضطر الضيوف للصراخ لفهم جملة واحدة، مما يدفع معظم المدعوِّين للصمت، فتتحوَّل المناسبة إلى تجمُّع أجساد بلا أرواح تائهة في ضجيجٍ أصمّ. والعلاج يقتضي اعتماد "بروتوكول" صوتي متدرِّج؛ بحيث يكون الصوت في بداية المناسبة مجرّد خلفيّة خافتة تسمح بالتحية والتعارف، ولا يُرفع إلا في لحظات محدَّدة وقصيرة، استجابةً لحق الضيف في الحديث والاستماع.
ثالثاً: الفرارُ والانسحابُ المبِّكر؛ أصبح من المعتاد رؤية موجات من المغادرين فور انتهاء الواجب الرسمي، ليس تقصيراً في المودة، بل نجاةً من ضغطٍ سمعي محقَّق. إنَّ الداعي الذي يظنّ أنّ رفع الصوت يزيد من بهجة فرحه، هو في الحقيقة يزهد ضيوفه في البقاء ويطردهم بأسلوب غير مباشر. وهنا تبرز مسؤوليّة الداعي الشريك في كرم الضيافة؛ فعلى أصحاب المناسبة التنسيق المسبق والحازم مع مشغِّلي الصوت لخفض المستويات، إدراكاً بأنَّ إكرام الضيف الحقيقي هو توفير بيئة جاذبة للاستمرار لا طاردة بالضجيج.
رابعاً: غيابُ المعاييرِ والذوق؛ تفتقر معظم القاعات لهندسة الصوت، حيث توزَّع المكبِّرات بأسلوب يفتقر للرقي. الفرح الحقيقي هو رقّةٌ وعذوبة، والذوق الرفيع يقتضي أن يكون الصوت خلفيةً تجمِّل المكان، لا سوطاً يرهق أسماع الحاضرين ويغتال هدوءهم. فمن المهم إلزام القاعات بالاستعانة بمهندسي صوت لتطبيق نظام التوزيع النقطي الهادئ، وضبط الأجهزة تقنيّاً بحيث لا تتجاوز عتبة الـ 60 ديسيبل، ليصبح الصوت عذوبةً تجمِّل المكان لا سوطاً يرهق الحاضرين.
خامساً: معاناةُ القوارير؛ ولا يتوقَّفُ هذا الضجيجُ عند حدودِ صالاتِ الرجال، بل يمتدُّ ليصبحَ في صالاتِ النساء حصاراً صوتياً أكثرَ حدّة؛ حيث تُغتَالُ فرصةُ التواصلِ الاجتماعي العذبة بين القريباتِ تحت وطأةِ صخبِ "الدي جي" مع مكبِّّرات صوت ضخمة جدًا تُوضع بالقرب من منصة "الكوشة" وطاولات الجلوس. حتى إنَّ كبار السنِّ من الأمَّهات والجدَّات هنَّ الفئة الأكثر تضرُّراً؛ إذ يجدْنَ أنفسهنَّ معزولات تماماً لا يستطعنَ سماع من بجانبهنَّ، مما يورثهنَّ شعوراً بالتهميش والإرهاق بدلاً من الفرح بلقاء الأحبَّة. وكثير من النساء يشتكينَ بعد الأفراح من طنين الأذن وصداعٍ نصفيٍّ يستمرُّ لأيام، وهو ما يؤكِّد أنَّ الأمر ليس متعة بل هو ضريبة يُجْبَرْنَ عليها لمجاملة الداعي. لذا فإنَّ الرُّقي يقتضي تعميم معايير الهندسة الصوتية على صالات النساء بالقدر ذاته، وصياغة ذوقٍ احتفاليٍّ يحترمُ رهافةَ الحواس، ويستبدلُ هذا الصخب بصوتٍ يلامسُ الوجدان ولا يُرهقُ الأبدان.
ختاماً.. إنَّ الفرح الذي يُجبِرُ الحاضرين على الفرار ليس فرحاً، والاحتفاء الذي يطردُ الجميع من القاعةِ هو احتفاءٌ منقوصُ الوفاء. لقد حان الوقتُ لنعيدَ تقديرَ حقِّ الإنسانِ في الهدوء، ولندركَ أنَّ الرقيَّ في خفضِ الصوتِ هو الدليلُ الأسمى على رِفعةِ الذوقِ وإكرامِ النفسِ والغير.
لنجعل أفراحنا مساحةً للاستقرارِ والسكينةِ والحديثِ العذب، لا ساحةً للضجيجِ العقيم الذي يتركُ خلفه الأنين والنفور. فالفرحُ الحقيقيُّ هو الذي يجعلُ القلوبَ تطمئنُّ وتستقرُّ.. لا التي ترجو الخلاصَ وتغادر.
هذا والله من وراء القصد ،،