بقلم: د. عمر بن حسين الجفري
ينتهي المشوار الدراسي للمرحلة الثانوية بفرحة التخرج، لكن سرعان ما تتحوَّل هذه البهجة إلى حيرة كبرى تَصدُم ما يزيد على 350,000 خريج وخريجة سنوياً عند عتبات الجامعات.
والمشهد المتكرِّر هو زحامٌ وتنافسٌ محموم، ليس على مسار يوافقُ شغف الطالب، بل على أي مقعد متاح يضمن بريق الوظيفة.
إنَّ الغاية أصبحت القبول في حدِّ ذاته، بينما تشير الدراسات إلى أنَّ نحو 40% من الطلاب يضطرون لتغيير خياراتهم لاحقاً أو يواجهون تعثراً أكاديمياً، والسبب هو عشوائية الانتقاء التي تسبق الدخول للجامعة.
إنَّ واقعنا التعليمي اليوم يواجه تحدياً صريحاً في قضية التوجيه المهني؛ فمعظم خريجينا يفتقدون للدليل الذي يرشدهم إلى أين يتجهون؟
ولماذا يفضِّلون هذا الحقل دون غيره؟ لقد تحول البحث عن المستقبل إلى عملية هروب للأمام، حيث يسجِّل الخريج في كليات لا يعرف عن طبيعة دراستها شيئاً، ولا يدرك مدى مواءمتها لقدراته الشخصية، والمحرِِّّك الوحيد هو درجة القياس أو المعدل التراكمي.
وهذا لا ينتج لنا سوى تشتُّتٍ وظيفي مبكر، حيث نرى طبيباً كان يتمنى أن يكون مهندساً، أو إدارياً يبدع في اللغة لكنه حُشر في مكاتب الأرقام؛ مما يورثنا موظفاً مؤدياً للحد الأدنى من الواجب وليس مبدعاً شغوفاً يضيف لوطنه.
إنَّ سطوةَ الوظيفة وعشوائيةَ الاختيار حصرتا التفكيرَ في مجرد نيل المقعد، فجعلت الطالب يَقْبَل بأي قسم لضمان التواجد فحسب، مما يفسِّرُ نسبَ التسرُّب العالية في السنة التحضيرية أو تبديل التخصصات لاحقاً.
هذا التخبُّط يمثل ضياعاً للمقاعد الجامعية وطاقات الدولة؛ لأنَّ الطالب الذي يلتحق بمجالٍ لا يرغبه، نادراً ما يبلُغ فيه التميُّز، وغالباً ما ينتهي به المطاف باحثاً عن بدايةٍ جديدة بعد ضياع سنواتٍ من عمره. ويمكننا معالجة هذه القضية عبر الأبعاد الإصلاحية التالية:
أولاً: فجوةُ اكتشاف الذات؛ إنَّ الدور الحقيقي للمدرسة يجب ألا ينتهي بتسليم الوثيقة الورقية، بل ينبغي أن يسبق ذلك سنوات من العمل على نضج القرار، عبر تطبيق اختبارات دورية للميول الاحترافية تبدأ من المرحلة المتوسطة؛ لتضع أمام الطالب مرآةً تكشف له مكامن قوته ومواهبه الفطرية، بدلاً من ترك رغباته للمصادفة.
ثانياً: من الدور الرقابي إلى الإرشاد المهني؛ لقد آن الأوان أن يتحرَّر دور الموجِّه الطلابي ليتحوَّل إلى "مستشار مستقبلي" متخصِّص، يشرح تضاريس سوق العمل المتغيرة، ويفتح المدارك على آفاق تقنية حديثة تواكب رؤية المملكة 2030، بعيداً عن المجالات التقليدية التي تشبَّعت بها الأسواق.
ثالثاً: الجدارة المهارية مقابل اللقب الاجتماعي؛ يجب كسر سطوة "برستيج" المؤهل الجامعي التي تختزل النجاح في المكانة حصراً، وتعزيز الوعي بأنَّ عصرنا هو عصر الجدارة، وأنَّ الانخراط في التعليم التقني والمهني الذي تستهدف الرؤية رفع نسبته إلى 40% هو طريقٌ موازٍ للتميُّز وليس خياراً أدنى.
رابعاً: الشراكة الواعية بين الأسرة والطالب؛ ضرورة إطلاق برامج توعوية موجّهة لأولياء الأمور لفصل الارتباط بين طموحاتهم الشخصية ومستقبل أبنائهم. فالنجاح الحقيقي ليس في إجبار الابن على مجال مرموق لا يهواه، بل في منحه مساحة الاختيار المستقلِّ لبناء مستقبل يحقِّق فيه طموحه وإبداعه.
ختاماً.. إنَّ ضياع خارطة تقرير المصير لدى خريجي الثانوية هو هدرٌ للموهبة قبل أن يكون هدراً للوقت. إننا بحاجة إلى بناء جسر معرفي بين التعليم العام والتعليم الجامعي وسوق العمل، تقوده منظومة إرشادية متكاملة تضمن أن يوضع "الإنسان المناسب في المكان المناسب".
إنَّ مستقبل الوطن لا يُبنى بشهادات مكدّسة، بل بسواعد تعرف أين تضع أقدامها، وبأبناءٍ اختاروا وجهاتهم بوعي وشغف، ليكون العمل بالنسبة لهم عطاءً مستداماً وبناءً للذات، لا مجرّد وظيفة رتيبة تستنزف الأيام!
هذا والله من وراء القصد ،،