7 قراءة دقيقة
الحرب على الخليج.. بين مطامع الصهيونية ومخالب التخريب الإيراني

 بقلم: د. عمر بن حسين الجفري

لم تكن الأحداث الأخيرة مجرد صراع حدود أو نفوذ فحسب، بل كانت اللحظة الحاضرة التي تهاوت فيها الأقنعة وانكشفت الحقائق أمام شعوب المنطقة والعالم؛ حيث تجلى نفاق المجتمع الدولي بصمته المريب وهو يراقب فصول "خدعة الحرب" بين إيران وإسرائيل. تلك الحرب العبثية التي يُراد بها استنزاف المنطقة العربية وتمرير مشاريع التوسع والخراب تحت غطاء الشعارات الرنانة التي لم تعد تنطلي على ذي بصيرة، بعد أن بات التخادم بين الأطراف المتصارعة ظاهراً للعيان. 

إن المتأمل في لغة الأرقام والوقائع العسكرية يدرك حجم المؤامرة؛ فبينما وجهت إيران مئات المسيرات والصواريخ في هجمات مجدولة تم ترتيبُ مسرحِ عملياتها مسبقاً نحو العمق الإسرائيلي، لم تتجاوز الصواريخ التي أصابت مناطق حيوية خمسة صواريخ فقط، في استعراض عسكري بدا وكأنه تنسيق متبادل لحفظ ماء الوجه أمام شارعٍ إيرانيٍ يغلي تحت وطأة القمع والانهيار المعيشي؛ حيث يحاول النظام عبر هذه المسرحيات تصدير أزماته الخانقة وتخدير شعبه بشعاراتٍ وهمية تسترُ عجزَه عن توفير أدنى مقومات الحياة الكريمة.

 ولو صدقت إيران في شعاراتها المرفوعة، لوجهت تلك الصواريخ الكثيفة والترسانة الضخمة نحو إسرائيل مباشرة، بدلاً من صب جام غضبها وعتادها على دول الجوار التي لم تنلها من طهران سوى القلاقل والتهديدات المستمرة، حيث أطلقت أذرعها ما يتجاوز أربعة آلاف مقذوف استهدفت الأعيان المدنية في بلادنا ومحيطنا الخليجي. 

ويبرز في هذا المشهد دور أبواق الإعلام المغرض؛ أولئك الذين انبروا للدفاع عن النظام الإيراني، مروجين لفرية حق الرد ومشروعية الدفاع عن النفس، متناسين بوقاحة منقطعة النظير أنَّ هذا النظام هو المعتدي الأول والمحرض الأكبر في المنطقة. هؤلاء المأجورون الذين يتباكون اليوم على إيران، هم أنفسهم الذين ابتلعوا ألسنتهم وتغاضوا عن جرائم طهران في ضرب منطقة الخليج العربي، وأغمضوا أعينهم عن الصواريخ التي استهدفت المدنيين والمنشآت الحيوية في بلاد الحرمين ودول الخليج؛ في ازدواجية معايير مخزية تعكس ارتهانهم للمشروع التدميري وخيانتهم لأمانة الكلمة والمهنة. إنَّ هذا التخادم الاستراتيجي الخفي يدارُ تحت عباءة الزيف الأمريكي؛ فواشنطن التي تدعي السعي للاستقرار، هي المحرك الفعلي لهذه اللعبة، حيث تمارس دوراً مزدوجاً يضمن بقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم، ويوفر الغطاء لإسرائيل لتحقيق مخططاتها التوسعية الرامية لبسط النفوذ من الفرات إلى النيل. 

وما الدعم الأمريكي اللامحدود لتل أبيب، وتجاهل العبث الإيراني في العواصم العربية، إلا برهانٌ على رغبة واشنطن في إبقاء العرب بين فكي كماشة، لتحقيق مصالحها في السيطرة على موارد المنطقة وقرارها. 

وفي مقابل هذا الزيف والعدوان، برز الموقف السعودي المشرف والراسخ تجاه قضية العرب الأولى، وتحديداً في الحرب الجائرة على غزة؛ حيث قادت المملكة حراكاً دبلوماسياً دولياً غير مسبوق عبر اللجنة الوزارية العربية الإسلامية التي حشدت التأييد لدى أصحاب القرار للضغط من أجل وقف نزيف الدم، معلنةً بوضوحٍ لا يقبل التأويل أنه لا سلام ولا علاقات مع إسرائيل دون قيام دولة فلسطينية مستقلة. 

كما لم تكتفِ بلادنا بالجهد السياسي، بل كانت الأسبق في مد جسور الإغاثة الجوية والبحرية لنجدة الأشقاء في غزة، مؤكدةً أنَّ المملكة هي النبض الحقيقي للأمة، بعيداً عن تجارة الشعارات التي يمارسها المتاجرون بآلام الشعوب. وفي خضم هذه التحديات، تجلى أبهى صور التلاحم في الاصطفاف الخليجي الذي جاء كوحدة مترابطة لا تقبل التجزئة؛ حيث وقفت دول مجلس التعاون الخليجي صفاً واحداً بقلبٍ وعقلٍ مشترك بقيادة المملكة العربية السعودية، مدركةً أنَّ المساس بأمن أي عاصمة خليجية هو اعتداءٌ مباشرٌ على المنظومة بأكملها. 

لقد تعرضت دول الخليج قاطبةً لاعتداءاتٍ سافرة طالت سيادتها وأمنها واقتصادها، إلا أنَّ هذا الاتحاد العضوي أثبت أنَّ محاولات شق الصف باءت بالفشل أمام الوعي السياسي العميق لقادة المنطقة وشعوبها، الذين رفضوا أن تكون أراضيهم ساحة لتصفية الحسابات، مؤكدين أنَّ أمن الخليج خطٌ أحمر تتحطم عليه أوهام المعتدين. 

ولعلَّ أشدَّ بواعث هذا الاستهداف هو الحقدُ الحضاري الذي تكنّه طهران لقصص النجاح المذهلة في دول الخليج العربي؛ ففي الوقت الذي تغرق فيه إيران في عزلة اقتصادية وفقر تجاوز 50%، نجد بلادنا ودول الخليج تقدم للعالم نموذجاً فريداً في التنمية المستدامة والازدهار المعيشي. 

إنَّ هذا التباين يجعل من استقرار الخليج تهديداً لشرعية النظام الإيراني أمام شعبه؛ لذا يسعى عبر ميليشياته لتحويل مرافئ النماء إلى ساحات للدمار. ولقد تجلى بلوغ الإجرام منتهاه حين تجرأت تلك الميليشيات بإيعازٍ إيراني على انتهاك حرمة مكة المكرمة؛ ففي أكتوبر 2016 أُطلق صاروخ باليستي من طراز "بركان-1" باتجاه العاصمة المقدسة، وتكرّر المشهد في مايو 2019، لولا يقظة وبسالة أبطال الدفاع الجوي السعودي. وفي مقابل مشروع الهدم، تبرز المملكة العربية السعودية كحِصنِ أمانٍ؛ فبلادنا لم تألُ جهداً في مواقفها النبيلة مع دول العالم العربي والإسلامي، من نصرة القضية الفلسطينية ودعم حقوق شعبها، إلى تضميد جراح المنكوبين عبر مراكزها الإغاثية العالمية. 

ونحمد الله أن قيض لبلادنا قادة حكماء، بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، الذين أداروا الأزمة بوعي استراتيجي، وبحكمةٍ خليجيةٍ متناغمة ضد هذه الاعتداءات.

 وعلى الرغم من أن بلادنا قادرة بكل ثقة على خوض هذه المعركة، وتمتلك من القوة ما يكسر شوكة أي معتدٍ، إلا أن بعد الأفق جعلها تنأى بنفسها عن الانزلاق في هذه المهزلة، محافظين على أمن المنطقة برصانة القوي المقتدر. ورغم هذه المواقف النبيلة، يظل التساؤل مريراً: أين دور الدول العربية والإسلامية الأخرى مما يحاك ضد معقل الإسلام ومأرز الدين؟ 

وعلى نقيض هذا الثبات السعودي والخليجي، يبرزُ مشهدٌ مؤلمٌ من التخاذل والارتباك في مواقف بعض القوى العربية والإسلامية، التي آثرت السلامة الموهومة أو الارتهان لأجنداتٍ خارجية على حساب أمن المنطقة المهدد. 

إنَّ هذا السكون المريب، والتردد في اتخاذ موقفٍ حازمٍ ضد "التغول الإيراني" أو "الصلف الصهيوني"، لم يزد المعتدين إلا جسارةً، ولم يورث الأمة إلا مزيداً من التشرذم. فبينما تضرب عواصم عربية تحت وطأة العدوان، نجدُ بعض هذه القوى تكتفي ببيانات باهتة لرفع العتب والهروب من المسؤولية، أو الأسوأ من ذلك، تفتح أبوابها لمن ينفثون سموم الفتنة في جسد الأمة، متناسين أنَّ النيران التي تلتهم الجار لن تتوقف عند حدود، وأنَّ الدور سيأتي عليهم لا محالة لإكمال مسلسل المخطط المرسوم، وأنَّ الصمت على طعن قلب العالم الإسلامي هو انتحارٌ استراتيجي وتخلٍّ عن الأمانة التاريخية والدينية. 

إن المسؤولية التاريخية تحتم على الجميع الوقوف صفاً واحداً أمام هذا المشروع التدميري.  حفظ الله بلادنا ومقدساتنا في ظل قيادتنا الرشيدة، ورد كيد الكائدين في نحورهم. 

هذا والله من وراء القصد ،،

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.