3 قراءة دقيقة
أعيدوا لنا عيدنا!

 بقلم: د. عمر بن حسين الجفري

لنتحدث بصراحةٍ مَوْجوعة، بعيداً عن مجاملات "السناب شات" البراقة. بين صخب الأبنية وضيق الأفئدة هل هذا هو العيد الذي نعرفه؟ أم أننا استبدلنا ببهجة اللقاء سُباتاً عميقاً وعزلةً خلف الأسوار الصامتة؟.

 لقد اتسعتْ مَساحاتُ دورنا وضاقَتْ مَساحاتُ صدورنا، فصرنا نعيشُ في جزرٍ معزولةٍ يُغَلِّفُها ترفُ التباهي ويقتلها جفاءُ النفوس. لكن المحزن حقاً هو ما آل إليه الحال بعد رحيل آبائنا؛ أولئك الأوتاد الذين كانوا المرساة التي تحفظ سفينة العائلة من التيه. برحيلهم رحلت البركة، واختزلنا العيد في ليلة استراحة باردة، الوجوه فيها متقابلة والقلوب غارقة في الهواتف، وكأننا نؤدي واجباً ثقيلاً!.

 سكنّا في مخططات فارهة بأسوارٍ عالية عزلتنا عن أقرب الناس إلينا. أصبح العيد إجازة للنوم، والتهنئة نسخاً ولصقاً من خلف الشاشات. لقد قتلنا روح العيد بالتوجُّس، حتى صار البعض يرى في طرق الباب إزعاجاً. 

أتذكرُ بمرارة تلك الأيام الخالية في أحيائنا القديمة، حين كانت البيوتُ متلاصقةً لدرجةِ أننا نستنشقُ رائحة قهوة الجيران، ونعرفُ قدرَ ضيوفهم من أحذيتهم المصطفة عند الأبواب في تواضعٍ مهيب.

 كانت الحارةُ قلباً واحداً ينبض بالحب، تبدأ الحكاية بعد أداء صلاة العيد ولا تنتهي إلا بعد أيام الفرح من الوصل الذي لا ينقطع. من الفجر إلى الضحى، ومن العصر إلى المغيب، كانت الأبوابُ مشرّعة، والنفوسُ أرحبَ من المجالس. لا تمرُّ ليلةٌ إلا ونحن في فُسحة وسعادة؛ غداءٌ هنا وعشاءٌ هناك، نلتقي بأقارب وإخوة لا نُكحِلُ أعيننا برؤيتهم إلا في هذه الغمرة، فنتبادلُ الضحكات الصادقة والحكايات التي لا يطويها الملل.

 كان العيد حالةً شعورية وجدانية قبل أن يكون مجرّد رقمٍ عابر في التقويم. ولاستعادة روح عيدنا، نضع هذه التوصيات، إيماناً بأنها ستجدُ آذاناً صاغية وقلوباً واعية:

 أولاً: إحياءُ أدب الجوار؛ بمبادرةٍ صادقةٍ تعيد للبيوت روحها وللطرقات صخبها المحبب، ولتكن القلوب مشرّعة قبل الأبواب.

 ثانياً: ميثاقُ صلة الأرحام؛ ألا يكون رحيل الكبار عذراً لتشتت الشمل؛ فنحن اليوم المرفأ لأبنائنا، وعلينا إعادة الهيبة لبيت العائلة واجتماعاته الحميمة.

 ثالثاً: هجرةُ الهواتف؛ إعلان هدنة مع الشاشات خلال أيام العيد، واستبدال الرسائل الإلكترونية بالزيارة الحية والحضور الروحي الكامل بين الأحبة.

 رابعاً: استعادةُ البساطة؛ العيد في جوهره ابتسامة وكلمة طيبة، وليس استعراضاً للأثاث والشكليات؛ فمتى ما قلَّ التكلُّف زاد الوصل والوئام.

 ختاماً.. يا أيها الغارقون في صمت الجدران وخلف زجاج الهواتف: استيقظوا قبل تبلُّد المشاعر، فلا تجعلوا بيوتكم قبوراً للأحياء، ولا "الواتساب" كفناً للصلة. افتحوا مغاليقَ القلوبِ قبل الأبواب ، تخفّفوا من كِبرِ العُزلةِ وتكلُّفِ المظاهر. ولنستردّ ميثاق الجوار ووشائج القربى التي أمر الله بوصلها ، فوالله إن قصراً يسكنه الجفاء هو أضيق من كوخٍ يملؤه الحب. 

افتحوا أبوابكم، وأحيوا عروق الوصل؛ فالعيد يمر في أيام، لكن الوحشة إذا سكنت الأرواح.. فقد عَظُمَ العزاء في الإنسان!. 

هذا والله من وراء القصد ،،

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.