بقلم: د. عمر بن حسين الجفري
يا أسفى على عُمرٍ انقضى، وقد وَخَطَ الشيبُ الرأسَ، وبلغَ العُمرُ عتياً؛ لأبناءٍ برُّهم مبطّنٌ بالجحود، ورضاهم مغلَّفٌ بالنكران!
يَقضي الآباءُ زهرةَ أعمارِهم في حَفْرِ الصخرِ لتمهيدِ الطريقِ أمامَ أبنائِهم؛ يَقتطعونَ من راحتِهم لِيُعلِّموهم، صابرين على التضحيات حتى يَرَوْهم في أعلى المراتب.
وحينَ تكتملُ المَهمَّة، ويصبحُ الابنُ طبيباً، أو مهندساً، أو مسؤولاً، أو تاجراً يتقلَّبُ في سعةِ الرزقِ ورغد العيش؛ نُفاجأُ بظاهرةِ العقوقِ الناعم أبناءٌ ارتقوا في سلَّم الرفاهية.. وتركوا والِديهم بمعزلٍ عن فيضِ نجاحهم المادي.
إننا نسمعُ عجباً من أبناءٍ لم يَبذلوا لآبائهم ريالاً واحداً، يكتفون بالزيارةِ والقبلة، بينما نفعُ مالِهم غائبٌ تماماً! والمؤلم هنا ليس بالضرورة حاجة الأب، بل في غفلة مشاعر الابن؛ فتجد الابنَ ينفق بسخاء على كمالياته ورحلاته، بينما يترك والده المتقاعد –وهم الأغلب– يوازن أموره في حدود راتبه المعتاد، دون أن يذوق طعم إكرام الابن الذي يرفع من جودة حياته ويُشعره بعظمة غرسه.
إنَّ الخللَ الحقيقيَّ يكمنُ في ظنِّ البعضِ أنَّ البِرَّ عاطفةٌ وجدانية فحسب، غافلينَ عن أنَّ (الإغناء المادي) هو تعبيرٌ عملي عن التقدير، فالمروءةُ تقتضي أن يكونَ الابنُ هو المُغدِق الخفي على أبيه؛ يسبقُ رغباته بكرامة، ويجعله شريكاً في كل سعةٍ يرزقه الله بها، دون انتظارِ طلبٍ أو تلميح.
ونضع توصياتٌ لِمَن أرادَ رِفعةَ الشأنِ وتَمامَ البِرِّ:
أولاً: الاستباقُ بالإكرام؛ لا تنتظرْ أن يسأل والداك شيئاً؛ فهما أسمى من الطلب. بادِرْ بتخصيصِ عطاءِ تقدير ثابت، لا لحاجةٍ منهما، بل ليكونَ لهما سعةً ورفاهيةً فوق ما هما فيه، اعترافاً بفضلهما.
ثانياً: حملُ الالتزامات؛ تفَقّدْ ديونَ والديكَ وأقساطَهما ،وتيقّظ للمصاريف الكبيرة؛ كترميم منزل، أو تجديد سيارة، أو فواتير موسمية، واحملْها عن كواهلِهما بصمت؛ فليسَ من المروءةِ أن تكتنز المدَّخرات وهم يديرون شؤونهم بجهدٍ في خريفِ عمرهم.
ثالثاً: الفيضُ لا الكفاف؛ تعاملْ مع إنفاقِكَ كردِّ جميل ؛فمالُكَ ثمرةُ كفاحهم. اجعلْهم يشعرون أنَّ نجاحك المادي هو مظلّةُ أمانِهم، وأنَّ رزقَكَ هو رغدُ عيشِهم، وفاءً لمن أفنى عمره لتستقيم حياتك.
رابعاً: استثمارُ البركة؛ تيقّنْ أنَّ كلَّ ما تُوسِّعُ به على والديك اليومَ هو بذرةُ بركةٍ في مالك، ورصيدٌ ستسحبُه غداً طمأنينةً من أبنائِك، وهو صمّامُ الأمانِ لصلاحِ شأنِك وتوفيقك في الدنيا والآخرة.
ختاماً..كُن ربيعاً لوالديك، ورغداً يرتعانِ فيه؛ تعظيماً لمقامهما، وصوناً لهيبتهما، وكَرَماً ينهالُ عليهما فَيضاً قبل أن تدقَّ ساعةُ الصفرِ الحقيقية؛ فحينها لا نفعَ لمال، ولا راحةَ لبال.
هذا والله من وراء القصد ،،