6 قراءة دقيقة
آل الجفري.. عراقة النسب النبوي ومنابرُ الهدى في الوطنِ وأصقاعِ الأرض

 بقلم: د. عمر بن حسين الجفري

حين نتحدَّث عن عائلة "آل الجَفْرِيُّ"، فنحن لا نتحدَّث عن مجرّد أسرة عريقة، بل نفتح صفحةً من أنصع صفحات التاريخ الإسلامي، ونستحضر سلالةً طاهرةً اتّصل سندُها بخير البرية ﷺ، وحملتْ مشاعل النور من قلب الجزيرة العربية لتضيء بها آفاق العالم الإسلامي. 

يعود نسب آل الجَفْرِيّ إلى دوحة الشرف الرفيع؛ فهم من "السادة العلويِّين"، وهي التسمية التي غلبتْ على هذا الفرع الشريف نسبةً إلى جدِّهم الجامع الإمام علوي بن عبيد الله، الذي تفرَّعت من نسله بطون السادة في الحجاز وحضرموت، ومنهما انطلقت مشاعلُ الهدى والرسالة إلى شتّى أقطار المعمورة.

 وتنحدر سلالتهم من الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السِّبط رضي الله عنه، ريحانة رسول الله ﷺ وابن السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها. 

وهذا المَدَدُ المباركُ يعود في أصله إلى جدِّهم الأكبر الإمام أحمد بن عيسى "المهاجر"، الذي هاجر بدينه ونسبه من العراق إلى رحاب الحجاز ثم إلى حضرموت، مرسياً قواعد المنهج السنِّي القويم، وحامياً لنقاء السلالة من شوائب الفتن والابتداع، ليكون هو الأصل الذي تفرَّعت منه هذه الدوحة المباركة.

 ويعود إطلاق هذا اللقب التاريخي "الجَفْرِيُّ" (بفتحِ الجيمِ وتسكينِ الفاءِ، وليس بكسرِ الجيمِ كما قد يظنُّ البعض) إلى جدِّهم الجامع السيد أبي بكر بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن الفقيه المقدَّم، والذي لُقِّب بـ "الجَفْر".

 وفي لغة العرب، "الجَفْر" هو الصغير من الإبل أو الشاة الذي قَوِيَ واستغنى عن الرضاعة، وقيل إنه لُقِّب بذلك لقوَّته ونشأته السويّة في صِباه، أو لتبحُّره في "علم الجَفْر" الذي يُقصد به عند علماء آل البيت علم استنباط الأحداث والسنن من الآثار النبوية والقرآن الكريم، وليس له أدنى صلة بعلوم الفلك أو التنجيم أو رصد النجوم التي ينأى عنها منهج الأسرة النَّقي. 

ومنذ ذلك الحين، التصق هذا اللقب بذرِّيته المباركة ليصبح عَلَماً على مدرسةٍ دعوية وعلمية فريدة انطلقت من تريم، وحملتْ لواء العقيدة السليمة والسَّمْت النبوي إلى شتّى بقاع الأرض، حيث كان لآل الجَفْرِيّ الفضل الأكبر في دخول الملايين للإسلام في شرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا، وتحديداً العلامة السيد علوي بن محمد الجفري مفتي ولاية "جوهور" الماليزية، التي شهدتْ نهضة علمية وقضائية كبرى على يد أبناء هذه الأسرة بفضل صدقهم وأمانتهم وحسن خُلُقهم.

 وقد سطَّر رجالات آل الجَفْرِيّ ملامح دعوية خالدة في أصقاع الأرض، اتَّسمتْ بتمسُّكها بالسنّة النبوية ونبذ البدع والخرافات؛ فكان منهم الأعلام الذين نشروا الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، ومن أبرزهم السيد شيخ بن محمد الجفري "قطب مليبار" بالهند، الذي كان له دورٌ عظيم في توحيد صفوف المسلمين ونشر العلم الشرعي الصحيح، والسيد علوي بن سهل الجفري الذي جمع بين العلم والوعي الديني في الهند وشرق أفريقيا، والسيد أحمد بن علوي الجفري أحد رُوَّاد نشر الإسلام في جزر إندونيسيا. 

وفي رحاب هذا البلد الكريم، استقرَّ "آل الجَفْرِيُّ" ليكونوا من أعيان البلاد ووجهاء المجتمع، حيث جمعوا بين بركة المجاورة لبيت الله الحرام ومسجد رسوله ﷺ، وبين الريادة في العلم والتجارة والجاه. وقد شهدتْ دولتنا المباركة، المملكة العربية السعودية، بزوغ أسماء لامعة من آل الجفري ساهموا بصدق في بناء صرحها الوطني وتطوير مؤسَّساتها في شتى الميادين؛ يتقدَّمهم معالي الأستاذ الدكتور محمد أمين بن أحمد الجفري (رحمه الله) نائب رئيس مجلس الشورى بمرتبة وزير، وسعادة اللواء الطبيب الدكتور عبدالله بن محمد ياسين الجفري المدير الإقليمي لإدارة مكافحة العدوى في المستشفيات العسكرية بالطائف سابقاً، وسعادة السيد علوي بن صالح الجفري (رحمه الله) مدير عام مكتب وزير الخارجية سابقاً. 

وفي ميدان الإدارة العليا والتعليم الأكاديمي، برز سعادة الأستاذ الدكتور ياسين بن عبدالرحمن الجفري مدير جامعة الأمير سلطان سابقاً، وسعادة الأستاذ الدكتور محمد صادق بن علي الجفري وكيل أمين محافظة جدة والأستاذ بكلية الهندسة سابقاً، وسعادة الأستاذ الدكتور مراد بن مصطفى الجفري أستاذ جراحة المناظير والروبوت، وسعادة السيد أحمد بن محمد الجفري (رحمه الله) مدير فرع وزارة المالية بجدة سابقاً.

 كما لمعت أسماء قيادية منهم سعادة الأستاذ الدكتور عمر بن عبدالله الجفري مساعد مدير عام الخطوط السعودية سابقاً، وسعادة الأستاذ الدكتور علي بن عبدالله الجفري عميد كلية التربية الرياضية سابقاً، والدكتور عمر بن حسين الجفري الخبير التربوي والإشرافي بتعليم مكة المكرمة سابقاً، والكاتب والأديب الرمز السيد عبدالله بن عبدالرحمن الجفري (رحمه الله).

 ويمتد عطاءُ هذه الأسرة ليشمل رجالاتٍ قادوا مفاصل حيوية؛ كالسيد عبدالرحمن بن علي الجفري بوزنه الاجتماعي، والمهندس طلال بن محمد الجفري في قطاع الطاقة، والسيد حسن بن محمد الجفري في المنظومة العدلية، والتربوي القدير السيد صالح بن علوي الجفري (رحمه الله) الذي خرّجت مدرسته أجيالاً من أبناء الوطن، إضافة إلى كوكبة من الأكاديميين والأطباء الذين تزدان بهم الجامعات والمستشفيات السعودية. 

إنَّ رجالات هذه الأسرة في قطاعات الدولة والعمل الخيري والتجاري كُثر، لا يتَّسع المجال لحصرهم، ممَّن تفانوا جميعاً في خدمة القيادة الرشيدة ورفعة الوطن، فكانوا نموذجاً للمواطن الذي يجمع بين أصالة النسب وبين الولاء المطلق لمسيرة التنمية والبناء تحت راية التوحيد. 

وسيظلّ إرثهم في هذا الوطن الغالي وخارجه منارةً تجمع بين جلال العلم وجمال الأخلاق، تعكس وفاء السلالة لجدِّها المصطفى ﷺ في كل زمان ومكان، حاملين راية الهدى والاعتدال، ومنتصرين لقيم الحق والفضيلة، فخورين بانتمائهم لهذه الأرض المباركة وقيادتها الحكيمة.

 ختاماً.. إنَّ الإرثَ الحقيقيَّ لآل الجَفْرِيّ يتلخَّصُ في حقيقةٍ تاريخيةٍ خالدة؛ وهي أنَّهم لم يفتحوا البلادَ بسيفٍ أو سُلْطَة؛ سلاحُهم نُبلُ المَعْشَر، ورايتُهم طِيبُ المأثر، وسِرُّ قَبولِهم في خُلُقٍ نبويٍّ سَكَنَ وُجدانَهم قبل أن ينطقَ به لسانُهم، وأنَّ القلوبَ تُفتحُ بالقدوةِ لا بالقوة؛ فبصدقِ المعاملةِ سادَ الأجداد، وبذاتِ الرُّقيِّ الأخلاقيِّ يُواصلُ الأحفادُ اليومَ مسيرةَ العطاءِ والوفاءِ. 

هذا والله من وراء القصد ،، 



تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.